mercredi 30 avril 2008

في الذكرى العاشرة لوفاة الشاعر نزار قباني : تحية لشاعر المرأة و شاعر الثورة


لم نكن نعلم للشعوب العربية تعلقا بشعرائها بلغ العشق منذ عديد السنين. و لمن ظن الغزل انتهى مع عمر بن ربيعة و الشعر الملتزم بالقضايا العربية ولد مع محمود درويش، كانت و لا تزال قصائد نزار قباني أكبر مفند.

"إني الدمشقي الذي احترف الهوى فاخضوضرت لغنائه الأعشاب"

هكذا كان نزار قباني يعرف بنفسه، العاشق المتطرف الذي يكره المياه الدافئة.
عندما توفي قباني في يوم 30 أفريل من سنة 1998، كان سنه يناهز الخامسة و السبعين. توفي بلندن، أين اختار الاغتراب منذ أكثر من خمسة عشر سنة. لم يكن هذا الخيار جبنا، فهو الذي لم يخش أن يقف أمام محاكم وطنه بسبب قصيدة ("خبز و حشيش و قمر")، و هو الذي لم يغادر "ست الدنيا بيروت" رغم اندلاع الحرب الأهلية سنة 1975 و هو أيضا الذي لم يتاجر بشعره، متحديا بأبياته كل من كان يحول بينه و بين القضايا التي كان يؤمن بها، من سلطات وطنية و عربية.

"لأنني لا أمسح الغبار عن أحذية القياصرة
لأنني أقاوم الطاعون في مدينتي المحاصرة
لأن شعري كله
حرب على المغول.. و التتار.. و البرابرة
يشتمني الأقزام و السماسرة"

قرر نزار الشاعر المسافر –فقد جال بين عمله في السلك الديبلوماسي السوري و أمسياته الشعرية مشارق الأرض و مغاربها- قرر الارتحال عن الوطن العربي مع مقتل زوجته العراقية بلقيس الراوي في مطلع الثمانينات، عصفورته الأحلى و أيقونته الأعلى كما كان يسميها -و هاهي بلاد الرافدين تستشهد اليوم أيضا-. و في ديوان اقتصر على قصيدة مشهودة ("قصيدة بلقيس")، صرخ نزار قباني ألمه و مرارته في وجه من قتلوا القصيدة و الجمال، راثيا مع صورة الحبيبة صورة "بيروت الأنثى" التي كانت تحتضر هي الأخرى تحت نيران القصف الإسرائيلي.

ربما لم يكن هذا هو الوجه الذي ألفناه عن نزار قباني. فمن يذكر اسم الشاعر يتبعه بمجموعة من الصفات و التعريفات، ربما كان أشهرها "شاعر المرأة".
الأمر ليس بالخطأ، فمن الغلط أن ننسى أن نزار قباني، مثلما بدأ مسيرته الشعرية بالقصيدة العمودية –و نذكر بالأمر لأن من الناس من يعيب عليه باطلا تمسكه بالشعر الحر لعدم إتقانه للنموذج التقليدي- فقد بدأ كذلك كتاباته بمخاطبة العاشقة ("قالت لي السمراء"، 1945). هذا و لم يحاول الشاعر أبدا التكتم عن حبه الجريء للنساء الذي جعله هدفا صوبت نحوه أسهم المحافظين.
"قارئة الفنجان"، "أحبك و بعد"، "قصيدة من تحت الماء"، "إني خيرتك فاختاري"، "قصيدة الحزن" و غيرها. قصائد مغناة ربما لا يعرف الجميع أنها من تأليفه و لكنها تشهد له بهذا الحب الجنوني الذي صنع إمضاءه.
و لم تكن مهارة الشاعر تقتصر على الـ"كلمات" التي كان ينتقيها في قصائده الغزلية المعاصرة (إذ حظيت جميعها بخلفية اجتماعية مهمة). بل إن أسلوبه الخاص تبلور من خلال نقطتين مهمتين:
تمثلت النقطة الأولى في كونه كثيرا (و لكن ليس حصريا) ما توجه إلى المرأة بالخطاب لا كاعتبارها مجرد جسد، بل كان يعتبرها كذلك فردا من المجتمع (في مجتمع الخمسينيات العربي) له كرامته و اهتماماته و آراؤه ("إلى صامتة"). و ندد نزار قباني بتلك الصورة في قصائد مثل "الحب و البترول" عندما كان يقول:"متى يا سيّدي تفهمْ ؟ بأنّي لستُ واحدةً كغيري من صديقاتكْ / ولا فتحاً نسائيّاً يُضافُ إلى فتوحاتكْ"، و هو الأمر الذي جعله محبوبا عند القارئات (و منهن أديبات مثل الجزائرية أحلام مستغانمي).
أما النقطة الثانية، فتتمثل في نجاح نزار قباني في أن يضع نفسه مكان المرأة، و هكذا مر من مخاطب لها إلى حامل لصوتها عبر أبياته، متسللا لدائرتها الشخصية ليعبر بكلماته و عبر صوتها عن مشاعرها في قصائد عدة، غنت منها الكثير بصوت نجاة الصغيرة مثل قصيدة "أيظن" التي أحرزت على جائزة الأغنية العربية في القاهرة لسنة 1960 أو "إلى رجل"، "أسألك الرحيلا"، إلخ.

و لكن هل يجوز أن تكون هذه الصورة هي كل ما يتبقى في أذهاننا من نزار قباني؟

"آه لو يدرك من يقرؤني
أن ما أكتبه في الحب
مكتوب لتحرير الوطن"

1967 : كانت سنة القطيعة. صحيح أن نزار كتب عديد القصائد الملتزمة قبل ذلك كـ"ثلاثية أطفال الحجارة" أو "قصة راشيل شوارزنبرغ". إلا أن النكسة التي شهدها العرب في "حرب حزيران" (جوان 1967) تركته كالتائه وسط مشهد عبثي مريع من الخراب و الدمار. و لكن كيف يكون الشاعر شاعرا إن لم يترجم بأبياته حالة الذهول و الإحباط التي أصابته و الشعوب العربية آنذاك؟

"يا وطني الحزين
حولتني بلحظة
من شاعر يكتب شعر الحب و الحنين
لشاعر يكتب بالسكين"

فهاهو نزار يحمل مجددا أقلامه و أوراقه الزرقاء ليكتب إحدى أطول قصائده : هوامش على دفتر النكسة (ديوان "الرسم بالكلمات"، 1967). عبرت القصيدة ببنيتها المتقطعة كشظايا خلفتها الحرب عن عمق الجرح الذي خلفته الهزيمة في فؤاده فلم يهاجم فيها الجيوش الإسرائيلية بقدر ما حمل العرب مسؤوليتها :

"كانَ بوسعِ نفطنا الدافقِ بالصحاري
أن يستحيلَ خنجراً..
من لهبٍ ونارِ..
لكنهُ..
واخجلةَ الأشرافِ من قريشٍ
وخجلةَ الأحرارِ من أوسٍ ومن نزارِ
يراقُ تحتَ أرجلِ الجواري..."

إلا أن نزار قباني ليس من أولئك السلبيين الذي رضوا ببكاء الأطلال و إطلاق زفير الحسرة عن ماض مجيد، بل حول الهزيمة لحافز للرفض و الغضب ("الكبريت في يدي و دويلاتكم من ورق") و دافع للقطيعة مع جيل الهزيمة :

"يا أيُّها الأطفالْ..
من المحيطِ للخليجِ، أنتمُ سنابلُ الآمالْ
وأنتمُ الجيلُ الذي سيكسرُ الأغلالْ
ويقتلُ الأفيونَ في رؤوسنا..
ويقتلُ الخيالْ..
يا أيُها الأطفالُ أنتمْ –بعدُ- طيّبونْ
وطاهرونَ، كالندى والثلجِ، طاهرونْ
لا تقرؤوا عن جيلنا المهزومِ يا أطفالْ
فنحنُ خائبونْ.."

كانت مواقفه السياسية ثابتة، لم يتب أو يتراجع عنها أبدا، بل كان يرفع هذه الراية حتى في المناسبات الرسمية مثلما كان الحال في تونس سنة 1980، خلال الاحتفال بالذكرى الخامسة و الثلاثين لإنشاء الجامعة العربية، عندما ألقى قصيدته "أنا يا صديقة متعب بعروبتي" التي أجاب فيها، من جملة ما قال، عمن كانوا يتهمونه بالخيانة لكثرة انتقاده و هجومه على الحكومات العربية قائلا :

"فإذا صرخت بوجه من أحببتهم فلكي يعيش الحب و الأحباب
و إذا قسوت على العروبة مرة فلقد تضيق بكـحـلها الأهـداب
فـلـربـمـا تـجـد العروبة نـفـسـها ويضيء في قلب الظلام شهاب"


و لتكن، في آخر كلامنا، هذه الأبيات فرصة للتذكير بالعلاقة التي ربطت نزار قباني بتونس، فقد زار الشاعر بلادنا أكثر من مرة، ربما كانت أولاها التي أداها إلى مدينة القيروان الأكثر رسوخا في ذاكرة محبي الشعر و الشعراء، إذ حظي نزار بتلق حار من قبل جمهور وقع في غرام قصائده، زاده حفاوة الكلمة التي ألقاها أمام "أهله في القيروان".

كان نزار قباني شاعر المرأة و شاعر الثورة. شاعر الحب و شاعر الرفض. بهذه النظرة الثنائية المزدوجة وجب علينا، بعد عشر سنوات من رحيله، أن نذكره، تحية لأعماله التي، و إن لا زالت تعرف شعبية كثيرة، لم تنعم في برامجنا التعليمية بالإنصاف اللازم، مما يتسبب في تغييب بعد هام منها في أذهان الكثير.

1 commentaires:

Badiâa بديعة a dit…

خبز وحشيش وقمر

عندما يولدُ في الشرق القمرْ..

فالسطوحُ البيضُ تغفو

تحت أكداس الزَهَرْ..

يترك الناسُ الحوانيت و يمضون زُمَرْ

لملاقاةِ القَمَرْ..

يحملون الخبزَ.. و الحاكي..إلى رأس الجبالْ

و معدات الخدَرْ..

و يبيعونَ..و يشرونَ..خيالْ

و صُوَرْ..

و يموتونَ إذا عاش القمر..

***

ما الذي يفعلهُ قرصُ ضياءْ؟

ببلادي..

ببلاد الأنبياءْ..

و بلاد البسطاءْ..

ماضغي التبغ و تجَّار الخدَرْ..

ما الذي يفعله فينا القمرْ؟

فنضيع الكبرياء..

و نعيش لنستجدي السماءْ..

ما الذي عند السماءْ؟

لكسالى..ضعفاءْ..

يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمرْ..

و يهزّون قبور الأولياءْ..

علَّها ترزقهم رزّاً.. و أطفالاً..قبورُ الأولياءْ

و يمدّون السجاجيدَ الأنيقات الطُرَرْ..

يتسلون بأفيونٍ نسميه قَدَرْ..

و قضاءْ..

في بلادي.. في بلاد البسطاءْ..

***

أي ضعفً و انحلالْ..

يتولاّنا إذا الضوء تدفقْ

فالسجاجيدُ.. و آلاف السلالْ..

و قداحُ الشاي .. و الأطفالُ..تحتلُّ التلالْ

في بلادي

حيث يبكي الساذجونْ

و يعيشونَ على الضوء الذي لا يبصرونْ..

في بلادي

حيث يحيا الناسُ من دونِ عيونْ..

حيث يبكي الساذجونْ..

و يصلونَ..

و يزنونَ..

و يحيونَ اتكالْ..

منذ أن كانوا يعيشونَ اتكالْ..

و ينادون الهلال:

" يا هلالْ..

أيُّها النبع الذي يُمطر ماسْ..

و حشيشياً..و نعاسْ..

أيها الرب الرخاميُّ المعلقْ

أيها الشيءُ الذي ليس يصدَّق"..

دمتَ للشرق..لنا

عنقود ماسْ

للملايين التي عطَّلت فيها الحواسْ

***

في ليالي الشرق لمَّا..

يبلغُ البدرُ تمامُهْ..

يتعرَّى الشرقُ من كلَِ كرامَهْ

و نضالِ..

فالملايينُ التي تركض من غير نعالِ..

و التي تؤمن في أربع زوجاتٍ..

و في يوم القيامَهْ..

الملايين التي لا تلتقي بالخبزِ..

إلا في الخيالِ..

و التي تسكن في الليل بيوتاً من سُعالِ..

أبداً.. ما عرفت شكلَ الدواءْ..

تتردَّى جُثثاً تحت الضياءْ..

في بلادي.. حيث يبكي الأغبياءْ..

و يموتون بكاءْ..

كلَّما حرَّكهمْ عُودٌ ذليلٌ..و "ليالي"

ذلك الموتُ الذي ندعوهُ في الشرقِ..

"ليالي"..و غناءْ

في بلادي..

في بلاد البسطاءْ..

حيث نجترُّ التواشيح الطويلةْ..

ذلكَ السثلُّ الذي يفتكُ بالشرقِ..

التواشيح الطويلة..

شرقنا المجترُّ..تاريخاً

و أحلاماً كسولةْ..

و خرافاتٍ خوالي..

شرقُنا, الباحثُ عن كلِّ بطولةْ..

في أبي زيد الهلالي..

http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=350